العقائد التي يُشنّعْ بها أهل السنة على الشيعة
ومن العقائد التي يُشّنعْ بها أهل السنة على الشيعة ما هو من محض التعّب المقيت الذي أولده الأمويّون والعبّاسيون في صدر الإسلام ، بما كانوا يحقدون على الإمام علي ويبغضونه حتّى لعنوه على المنابر أربعين عاماً . فلا غرابة أنْ يشتموا كل من تَشيّعَ له ويرموه بكل عار وشنار حتى وصل الأمر بهم أن يقال لأحدهم يهودي أحب من أن يقال له شيعي .
ودأَب أتباعهم على ذلك في كل عصر ومصر وأصبح الشيعي مسبّة عند أهل السنة والجماعة لأنّه يخالفهم في معتقداتهم وخارج عن جماعتهم ، فهم يقذفونه بما شاؤوا ويرمونه بكل التّهم وينبزونه بشتّى الألقاب ، ويخالفونه في كل أقواله وأفعاله .
ألا ترى بأنّ بعض علماء أهل السنة المشهورين يقولون : « بأن لبس الخاتم في اليد اليمنى هو سنّة نبوية ، ولكن يجبُ تركُهَا لأن الشيعة إتخذوا ذلك شعاراً لهم (1) .
____________
(1) مصنّف « الهداية » أخرجه الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار بأن أول من تختّم باليسار خلاف السنة النبوية هو معاوية بن أبي سفيان .
وهذا حجة الإسلام أبو حامد الغزالي يقول : إن تسطيح القبور هو المشروع في الدّين لكن لّما جعلته الرافضة شعاراً لهم عدلنا عنه الى التسنيم .
وهذا إبن تيمة الموصوف بالمصلح المجدد عند بعضهم يقول : ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء الى ترك بعض المستحبّات إذ صارت شعاراً لهم . أى للشيعة ـ فإنّه وإن لم يكن الترك واجباً لذلك ، لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم فلا يتميّز السني من الرّافضي ، ومصلحة التمييز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحب (1) .
وقال الحافظ العراقي عندما تساءل عن كيفية إسدال العمامة : لم أرَ مايدلّ على تعيين الأيمن إلا في حديث ضعيف عند الطبراني ، وبتقدير نبوته فلعلّه كان يرخيها من الجانب الأيمن ثم يردّها الى الجانب الأيسر كما يفعله بعضهم ، إلا إنه صارَ شعاراً للإماميّة فينبغي تجنّبه لترك التشبّه بهم (2) .
سبحان الله ! ولا حول ولا قوّة إلا بالله ! إنظر أخي القارئ إلى هذا التعصّب الأعمى كيف يُجيز لهؤلاء « العلماء » أن يخالفوا سنة النبي (صلى الله عليه وآله) لأن الشيعة تمسّكتْ بتلك السنن حتّى صارت شعاراً لهم ، ثم هم لا يتحرجون من الإعتراف بذلك صراحة ، وأنا أقول الحمد لله الذي أظهر الحقّ لذي عينين ولكل مخلص يبحث عن الحقيقة ، الحمد لله الذي أظهر لنا بأن الشيعة هُمُ الذين يتبعون سنة رسول الله وذلك بشهادتكم أنْتُم !كما شهدتم على أنفسكم بأنّكم تركتُم سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) عمدا لتخالفوا بذلك أئمة أهل البيت وشيعتهم المخلصين وإتبعتم سنة معاوية بن أبي سفيان كما شهد بذلك الإمام الزمخشري عندما أثبت إن أول من تختم باليسار خلاف السنة النبوية هو معاوية بن أبي سفيان (3) .
____________
(1) منهاج السنة لإبن تيمة 2 /143 ( التشبه بالروافض ) .
(2) شرح المواهب للزرقاني 5 /13 .
(4) الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار .
وإتبعتُم سنّة عمر في بدعته للتراويح خِلافاً للسنّةِ النبوية التي أَمَرتُ المسلمين بصلاة النافلة في بيوتهم فُرادي لا جماعة كما أثبت ذلك البخاريُ في صحيحه (1) وكما إعترف عمر نفسه بأنها بدعة (2) إبتدعها مع إنه لَّم يصلها لأنّه لا يؤمن بها ، فقد جاء في البخاري عن عبد الرحمن بن عبد القاريّ أنه قال خرجتُ مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان الى المسجد فإذا النّاسُ أوزاعٍ متفرّقون يصلّي الرجلُ لنفسه ويصلّي الرجلُ فيُصَلَّي بصلاته الرّهطُ فقال عمر إني أرى لو جمعت هؤلاء على قاريء واحدٍ لكان أمثلْ ، ثم عَزمَ فجمعهم على أبي بن كعب ، ثم خرجتُ معه ليلة أخرى والنّاس يصلّون بصلاة قارئهم ، قال عمرُ نعم البدعةُ هذه … (3)
ومن المستغرب عدها نعمة بعد نهي الرسول عنها ؟ وذلك عندما رفعوا أصواتهم وَحَصّبوا بابَهُ ليصلّي بهم نافلة رمضان ، فخرج اليهم مغضباً فقال لهم (صلى الله عليه وآله) : .
« مازال بكم صنيعكم حتّى ظننتُ إنّه سيكتَبُ عليكم ، فعليكم في الصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة » (4) .
كما إتّبعتم سنّة عثمان بن عفّان وهي لإتمام صلاة السفر خلافاً لسنة الرسول (صلى الله عليه وآله) التي صلاّها قصراً (5) .
ولو أردت أن أحصي ما خالفتُم به سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأستوجب ذلك كتاباً خاصاً ولكن تكفي شهادتكم في ما أقررتم به على أنفسكم ـ وتكفي شهادتكم أيضاً بإقراركم بأنّ الشيعة الروافض هم الذين إتّخذوا سنة النبي شعاراً لهم .
____________
(1) صحيح البخاري 7 /99 ( باب ما يجوز من الغصب والشدة لأمر الله عزّ وَجلّ ).
( 2 ، 3 ) صحيح البخاري 2 /252 ( كتاب صلاة التراويح ) .
(4) صحيح البخاري 7 /99 ( باب مايجوز من الغصب والشدة لأمر الله عزّ وَجلّ ) .
(5) صحيح البخاري 2 /35 وكذلك تأولت عائشة فصلت أربعا ص 36 .
أفبعد هذا يبقى دليل على قول الجهلة الذين يدّعون بأن الشيعة إتّبعوا علي بن أبي طالب ، أمّا أهل السنة فإنهم إتّبعوا رسول الله ؟ أيريد هؤلاء أن يثبتوا بأن عليّاً خالفَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإبتدع ديناً جديداً ؟ كبُرت كلمة تخرجُ من أفواههم ، فعلي هو محض السنة النبوية وهو مفسّرُها والقائم عليها لقد قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « علي منّي بمنزلتي من ربّي » (1) .
أي كما إن محمد هو الوحيد الذي يُبلّغُ عن ربّه ، فعليٌ هو الوحيد الذي يبلّغ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكنّ ذنب علي هو إنّه لم يعترف بخلافة من قبله وذنبُ شيعته إنهم إتّبعوه في ذلك فرفضوا أن ينْضَوُوا تحت خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ولذلك سمّوهم « الروافض » .
فإذا أنكر هؤلاء السنة على معتقدات الشيعة وأقوالهم فهو لسببين ، أوّلها العداء الذي أجج ناره حكام بني أميّة بالأكاذيب والدعايات وإختلاف الروايات المزوّرة .
وثانيهما : لأن معتقدات الشيعة تتنافى وما ذهبوا اليه من تأييد الخلفاء وتصحيح أخطائهم وإجتهاداتهم مقابل النصوص خصوصاً حكّام بني أميّة وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان .
ومن هنا يجد الباحث المتتبَع إن الخلاف بين الشيعة وأهل السنة نشأ يوم السقيفة ، وتفاقم ، وكل خلاف جاء بعده فهو عَيّالٌ عليه ، وأكبر دليل على ذلك أن العقائد التي يُشنّع أهل السنة على إخوانهم من الشيعة ، ترتبط إرتباطاً وثيقاً بموضوع الخلافة وتتفرع منه ، كعدد الأئمة والنّص على الإمام ، والعصمة ، وعلم الأئمة ، والبداء ، والتقية والمهدي المنتظر وغير ذلك .
____________
(1) الصواعق المحرقة لإبن حجر ص 106 ـ ذخائر العقبى ص 64
الرياض النضرة 2 /215 ـ إحقاق الحق 7 /217
ونحن إذا بحثنا في أقوال الطرفين مجرّدين من العاطفة فسوف لا نجد بُعداً شاسعاً بين معتقداتهم ، ولا نجدُ مُبرّراً لهذا التهويل وهذا التشنيع ، لأنّك عندما تقرأ كتب السنة الذي يشتمون الشيعة ، يخيّل اليك بأن الشيعة نَاقَضّوا الإسلام وخالفوه في مبادئه وتشريعه ، وإبتدعوا ديناً آخر .
بينما يجد الباحث المنصف في كل عقائد الشيعة أصْلاً ثابتاً في القرآن والسنة وحتّى في كتب من يُخالفهم في تلك العقائد ويُشنّع بِها عليهم .
ثم ليس هناك في تلك العقائد مايخالف العقلَ أو النّقل أو الأخلاق ـ وليتبَينّ لك أيها القاريء اللبيب صحّة ما أدّعيه سأستعرض معك تلك العقائد .
العصمة
يقول الشيعة : ونعتقدُ إن الإمام كالنّبي يجبُ أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن ، من سنّ الطفولة الى الموت ، عمداً وسهواً .
كما يجبُ أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان ، لأن الأئمة حفظة الشرع والقوّامين عليه حالهم في ذلك حال النّبي والدليل الذي إقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلا فرق (1) .
نعم هذا كما نرى هو رأي الشيعة في موضوع العصمة فهل فيه ما ينافي القرآن والسنة ؟ أو مايقول العقل بإستحالته ؟ أو مايشين الإسلام ويُسيء اليه ، أو ما يُنقصُ قدر النبي أو الإمام ؟
حاشا وكلاّ . لم نجد في هذا القول إلا التأييد لكتاب الله وسنّة نبّيه ، وما يتماشى مع العقل السليم ولايناقضه ، وما يرفع من قيمة النّبي والإمام ويشرفه .
ولنبدأ بحثنا في إستقراء القرآن الكريم .
____________
(1) عقائد الإمامية ص 67 العقيدة رقم 24 .
قال تعالى : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجسْ أهل البيت ويطهركم تطهيراً .. (1) .
فإذا كان إذهاب الرجس الذي يشمل كل الخبائث والتطهير من كل الذنوب ، لا يفيد العصمة ، فما هو المعنى إذاً ؟؟
يقول الله تعالى : إنّ الذين إتّقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكرّوا فإذا هم مبصرون (2) . فإذا كان المؤمن التّقي يعصمه الله من مكايد الشيطان إذا حاول إستفزازه وإضلاله ، فيتذكّر ويبصر الحقّ فيتّبعه ، فما بالك بمن إصطفاهم الله سبحانه وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً . ؟
ويقول تعالى : ثم أورثنا الكتاب الذين إصطفينا من عبادنا (3) والذي يصطفيه الله سبحانه يكون بلا شك معصوماً من الخطأ وهذه الآية بالذات هي التي إحتجّ بها الإمام الرضا من أئمة أهل البيت ((عليهم السلام)) على العلماء الذين جمعهم الخليفة العبّاسي المأمون إبن هارون الرشيد وأثبت لهم بأنّهم ( أي أئمة أهل البيت ) هم المقصودون بهذه الآية وبأن الله إصطفاهم وأورثهم علم الكتاب ، وإعترفوا له بذلك (4) .
هذه بعض الأمثلة مّما جاء في القرآن الكريم وهناك آياتٌ أخرى تفيد العصمة للأئمة كقوله أئمة يهدون بأمرنا وغيرها ولكن نكتفي بهذا القدر روماً للإختصار دائماً .
____________
(1) سورة الأحزاب آية 33 .
(2) سورة الأعراف آية 201 .
(3) سورة فاطر آية 32 .
(4) العقد الفريد لإبن عبد ربه 3 /42 .
وبعد القرآن الكريم فإليك ماورد في السنّة النبوية
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « يا أيها النّاس إني تارك فيكم ما إنْ أخذتم به لن تضلّوا كتَاب الله وعترتي أهل بيتي » (1) .
وهو كما ترى صريحٌ بأنّ الأئمة من أهل البيت معصومون أولاً لأن كتَاب الله معصوم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو كلام الله ، ومن شك فيه كفر .
ثانياً : لأن المتمسّك بهما «الكتاب والعترة » يأمنُ من الضلالة فدّلَ هذا الحديث على إن الكتاب والعترة لا يجوز فيهما الخطأ .
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق » (2) .
____________
(1) صحيح الترمذي 5 /328 . الحاكم في المستدرك3 /148 .الإمام أحمد بن حنبل في مسنده 5 /189 .
(2) مستدرك الحاكم 2 /343 . كنز العمال 5 /95 . الصواعق المحرقة لإبن حجر ص 184 .
وهو كما ترى صريح في أن الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) معصومون ، عن الخطأ ولذلك يأمل وينجوا كل من ركب سفينتهم وكل من تأخر عن ركوب سفينتهم غرق في الضلالة .
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): « من أحَبّ أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ويدخل الجنّة التي وعدني ربي ، وهي جنّة الخلد ، فليتولّ علياّ وذريته من بعده فإنهم لم يخرجوكم باب هدى ولن يدخلوكم باب ضلالة » (1) .
وهو كما ترى صريح في أن الأئمة من أهل البيت وهم علي وذريته معصومون عن الخطأ لأنهم لن يُدخلوا الإسلام الذين يتبّعوهم في باب ضلالة ، ومن البديهي إن الذي يجوز عليه الخطأ لا يمكنُ له هداية النّاس .
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « أنا المنذرُ وعليٌّ الهادي ، وبك ياعلي يهتدي المهتدون من بعدي » (2) .
وهذا الحديث هو الآخر صريح في عصمة الإمام كما لايخفى على أولي الألباب .
____________
(1) كنز العمال 6 /155 . ومجمع الزوائد للهيثمي 9 /108 .
الإصابة لإبن حجر العسقلاني ـ الطبراني في الجامع الكبير . تاريخ إبن عساكر 2 /99 .
مستدرك الحاكم 3 /128 حلية الأولياء 4 /349 ـ إحقاق الحق 5 /108.
(2) تفسير الطبري 13 /108 تفسير الرازي 5 /271 تفسير إبن كثير 2 /502 .
(3) تفسير الشوكاني 3 /70 تفسير السيوطي الدر المنثور 4 /45 نور الأبصار ص 71 .
(4) مستدرك الحاكم 3 /129 تفسير إبن الجوزي 4 /307 .شواهد التنزيل 1 /293 الفصول المهمة ـ ينابيع المودة .
والإمام علي نفسه أثبت العصمة لنفسه وللإمة من ولده عندما قال : « فإين تذهبون وأنّى تؤفكون ؟ والأعلام قائمةُ والآياتُ واضحةٌ ، والمنار منصوبةٌ فأين يُتاه بكم ، بل كيف تعمهون وبينكم عترة نبيّكم وهم أئمة الحق ، وأعلام الدّين ، وألْسنةُ الصدق ، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ورود الهيم العطاش ، أيها النّاس خذوها من خاتم النبيّين (صلى الله عليه وآله) إنه يموت من ماتَ منّا وليس بميّتٍ ، ويبلى منّا بلي منا وليس ببالٍ ، فلا تقولوا بما لا تعرفون فإن أكثر الحقّ فيما تنكرون ، وإعذروا من لا حجة لكم عليه وأنا هو ، ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر وأترك فيكم الثقل الأصغر ، وركزتُ فيكم راية الإيمان … » (1) .
وبعد هذا البيان من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وأقوال الإمام علي الدالة كلها على عصمتهم (سلام الله عليهم).
هل يرفض العقلُ عصمة من يصطفيه الله سبحانه للهداية ؟
والجواب : كلاَّ لا يرفض ذلك ، بالعكس ، العقل يقول : بوجوب تلك العصمة ، لأن من توكَلُ اليه مهمّة القيادة وهداية البشرية لا يمكنُ أن يكون إنساناً عادياً يعتريه الخطأ والنسيان وتُثقل ظهره الذنوب والأوزار فيكون عُرضة لإنتقاص النّاس ونقدهم .
بل العقل يفرض أن يكون أعلم الناس في زمانه وأعدلهم وأشجعهم وأتقاهم ، وهي صفاتٌ ترفَعُ من شأن القائد وتُعظّيمه في أعين الناس وتجلب له إحترام الجميع وتقديرهم وبالتالي طاعتهم له بدون تحفّظ ولا تملّق .
____________
(1) نهج البلاغة للإمام علي 1 /155 . وقد علق الشيخ محمد عبده في شرحه لهذه الخطبة بقوله : إنه يموت الميت من أئمة أهل البيت وهو في الحقيقة غير ميت . لبقاء روحه ساطعة النور في عالم الظهور .
وإذا كان الأمر كذلك ، لماذا كل هذا التشنيع والتهويل على من يعتقد بذلك ؟
ويخيّلُ إليك وأنت تسمع وتقرأ إنتقاد أهل السنة على موضوع العصمة بأن الشيعة ، هم الّذين يقلّدون وسام العصمة لمن أحبّوا ، أو إن القائل بالعصمة يكون مُنكراّ وكفراً ، فلا هذا ولا ذاك ، إنّما العصمة عند الشيعة هي أن يكون المعصوم مُحاطاً بعناية إلهية ورعاية ربّانية فلا يتمكّن الشيطان من إغوائه ، ولا تتمكّن النفس الأمارة بالسوء من التغلّب على عقله فتجرّه للمعصية وهذا الأمر لم يحرم الله منه عباده المتّقين كما تقدم في آية الذين إتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون .
وهذه العصمة الموقوتة لعباد الله في حالة معينّة ، قد تزول لفقد سببها إلا وهي التقوى ، فالعبد إذَا كان بعيدا عن تقوى الله لا يعصمه الله ، أما الإمام الذي إصطفاه الله سبحانه فلا يحيد ولا يتزحزح عن التقوى وخشية الله سبحانه وتعالى .
وقد جاء في القرآن الحكيم حكاية عن سيدنا يوسف (عليه السلام) ولقد همّتْ به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربّه ، كذلك لنصرف عنه السّوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (1) .
____________
(1) سورة يوسف آية 24 .
ولأن سيدنا يوسف لم يهم بالزنا كما فسّره بعض المفسّرين فحاشا أنبياء الله من هذا الفعل القبيح ، ولكنّه همّ بدفعها وضربها إذا إقتضت الحال ولكنّ الله سبحانه عصمه من إرتكاب مثل هذا الخطأ لأنّه لو فعله لكان سبباً في إتهامه بالفاحة وتكون حجّتها قويّة ضدّه فيلحقه منهم عند ذلك السوء .
عدد الأئمة ( الإثني عشر )
يقول الشيعة بأنّ عدد الأئمة المعصومين بعد النّبي (صلى الله عليه وآله) هو إثنى عشر إماماً لا يزيدون ولا ينقصون ، وقد ذكرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأسمائهم وعددهم (1) وهم :
1 ـ الإمام علي بن أبي طالب .
2 ـ الإمام الحسن بن علي .
3 ـ الإمام الحسين بن علي .
4 ـ الإمام علي بن الحسين ( زين العابدين ) .
5 ـ الإمام محمد بن علي ( الباقر ) .
6 ـ الإمام جعفر بن محمد ( الصادق )
7 ـ الإمام موسى بن جعفر ( الكاظم )
8 ـ الإمام علي بن موسى (الرضا )
9 ـ الإمام محمد بن علي ( الجواد)
10 ـ الإمام علي بن محمد ( الهادي )
11 ـ الإمام الحسن بن علي ( العسكري ) .
12 ـ الإمام محمد بن الحسن ( المهدي المنتظر ) .
فهؤلاء هم الأئمة الأثنى عشر الذين تقول الشيعة بعصمتهم ، حتّى لا ينطلي المكر على بعض المسلمين .
____________
(1) ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي ص 99 الجزء الثالث .
فالشيعة لا يعترفون قديماً ولا حديثاً بالعصمة إلا لهؤلاء الأئمة الذين سمّاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يولدوا بعدُ ، وقد أخرج بعض علماء السنّة أسماءهم كما مرّ علينا وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما حديث الأئمة بعددهم وهم إثنى عشر كلّهم من قريش (1) .
____________
(1) صحيح البخاري 8 /127 . صحيح مسلم 6 /3 .
وهذه الأحاديث لا تصحّ ولا تستقيم إلا إذا فسّرناها على أئمة أهل البيت الذين تقول بهم الشيعة الإمامية وأهل السنّة والجماعة هم المطالبونَ بحلّ هذا اللّغز إذْ أنّ عدد الأئمة الأثني عشر الذي أخرجوه في صحاحهم بقيَ حتّى الآن لُغزاً لا يجدون له جواباً .
علم الأئمة
ومّما يشنّع به أهل السنّة والجماعة على الشيعة قولهم : بأنّ الأئمة من أهل البيت (سلام الله عليهم) قد خصّهم الله سبحانه بعلم لم يشاركهم فيه أحد من النّاس ، ومن أن الإمام يكون أعلم أهل زمانه فلا يمكن أن يسأله أحد فيعجز عن الجواب ! .
فهل لهذا الإدّعاء من دليل ؟
ولنبدأ كما هي عادتنا في كل بحث في القرآن الكريم .
يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله :
ثم أورثنا الكتاب الذين إصطفينا من عبادنا (1) فالآية تدّل دلالة واضحة بأن الله سبحانه إصطفى عباداً من بين النّاس وأورثهم علم الكتاب ، فهل لنا أن نعرف هؤلاء العباد المصطفين ؟
____________
(1) سورة فاطر آية 32 .
ذكرنا فيما تقدّم بأن الإمام الثامن من أئمة أهل البيت علي بن موسى الرضا أستدلّ بنزول هذه الآية فيهم ، وذلك لّما جمع له المأمون أربعين قاضياً من مشاهير القُضاة ، وأعدّ له كل واحد منهم أربعين مسألة، فأجاب عليها وأفحمهم وأقرُّوا له بالأعلمية (1) .
وإذا كان هذا الإمامُ الثامن ولّما يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً عندما وقعتْ هذه المحاورة بينه وبين الفقهاء الذين أقرّوا له بالأعلمية فكيف يستغربُ بعدها قول الشيعة بأعلميّتهم مادام أن علماء السنّة وأئمتهم يعترفون لهم بذلك .
أمّا إذا أردنا تفسير القرآن بالقرآن فسوف نجد العديد من الآيات ترمي الى معنى واحد وتبينّ بإنّه سبحانه ولحكمة بالغة إختصّ الأئمة من أهل البيت النبوي بعلمٍ من لَدُنْه موهوب حتّى يكونوا أئمة الهدى ومصابيح الدّجى .
قال تعالى : يؤتِ الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكّر إلا أولُي الألباب (2) .
وقال أيضاً : فلا أُقسم بمواقع النّجوم ، وإنه لقسمٌ لو تعلمون عظيم ، إنّه لقرآنٌ كريم في كتاب مكنون لا يمسّه إلا المطهّرون (3) .
____________
(1) العقد الفريد لإبن عبد ربه 3 /42 .
(2) سورة البقرة آية 269
(3) سورة الواقعة 75 ـ 79 .
أقسمَ سبحانه في هذه الآية بقسم عظيم بأنّ القرآن الكريم له أسرار ومعاني باطنة مكنونة ، لا يدرك معانيها وحقائقها إلا المطهّرون ، وهم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجْس وطهّرهم تطهيراً .
دلّت الآية أيضا على أن للقرآن باطناً خص الله سبحانه وتعالى به أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ولا يمكن لغيرهم معرفتها إلا عن طريقهم .
ولذلك أشار رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى هذه الحقيقة فقال : « لا تقدموهم فتهلكوا ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم » (1) .
وكما قال الإمام علي نفسه : « أين الذين زعموا إنهم الرّاسخون بالعلم دوننا كذباً وبغياً علينا أن رفعنا الله ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم ، بنا يُستعطى الهدى ويُستجلى العمى … إن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم ولا تصلح الّولاة من غيرهم » (2) .
وقال تعالى: فأسألوا أهل الذكر إن كنتُم لا تعلمون (3) وهذه الآية نزلت في أهل البيت ( (عليهم السلام) ) (4) .
وتفيد بأن الأمة لا بد لها من بعد فقد نبيّها أن ترجع إلى الأئمة من أهل البيت لمعرفة الحقائق ، وقد رجع الصحابة رضي الله تعالى عنهم الى الإمام علي بن أبي طالب لبيين لهم ما أشكل عليهم ، كما رجع النّاس على مرّ السنين الى الأئمة من أهل البيت لمعرفة الحلال والحرام ولينْهلوا من معارفهم وعلومهم وأخلاقهم .
وإذا كان أبو حنيفة يقول : لولا السنتان لهلك النعمان يقصد بذلك العامين الذين قضاهما في التعلم من الإمام جعفر الصادق .
وإذا كان الإمام مالك بن أنس يقول : مارأتْ عينٌ ، ولا سمعتْ أذنٌ ، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر الصادق فضلاً وعلماً وعبادة وورعاً (5) .
____________
(1) الصواعق المحرقة لإبن حجر الشافعي ص 148 ـ الدر المنثور للسيوطي 2 /60 .
كنز العمال 1 /168 أسد الغابة في معرفة الصحابة 3 /137 .
(2) نهج البلاغة 2 /143 شرح محمد عبده الخطبة رقم143 .
(3) سورة النحل آية 43 وسورة الأنبياء آية 7 .
(4) تفسير الطبري 14 /134 تفسير ابن كثير 2 /570 تفسير القرطبي 11 / 272 شواهد التنزيل للحسكاني 1 /434 ينابيع المودة إحقاق الحق للتستري 3 /482 .
(5) كتاب مناقب آل أبي طالب في أحوال الإمام الصادق .
إذا كان الأمر كذلك بإعتراف أهل السنّة والجماعة فلماذا كل هذا التشنيع وهذا الإستنكار بعد هذه الأدلّة وبعدما أثبت تاريخ المسلمين كافّة بأن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كانوا أعلم أهل زمانهم ، فأي غرابة في أن يخصّ الله سبحانه وتعالى أولياءه « الذين إصطفاهم » بالحكمة والعلم الذين يجعلهم قدوة المؤمنين وأئمة المسلمين .
ولو تتّبع المسلمون أدلّة بعضهم بعضاً ، لأقتنعوا بقول الله ورسوله ، ولكانوا أمةً واحدة يشدّ بعضها بعضاً ، ولم يكن هناك إختلاف ولا مذاهب ومتعددة !
ولكم لا بدّ من كل ذلك ليقضي الله أمراً كان مفعولا ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيا من حي عن بينّة وإن الله لسميع عليم (1) .
____________
(1) سورة الأنفال آية 42 .
البداء
وهو أن يبدو له شيء في أمر مَا يريد فعله ثم يتغّير رأيه في ذلك الشيء فيفعل فيه غير ماعزم على فعله سابقاً .
وأمّا قول الشيعة بالبداء ونسبته إلى الله تعالى التشنيع عليهم بأنه يستوجب نسبة الجهل والنقص ألى الله سبحانه وتعالى ـ كما يريد أهل السنّة والجماعة حمله على هذا المعنى ، فهذا التفسير باطل ولا تقول به الشيعة أبداً ومن ينسب ذلك إليهم فقد إفترى عليهم ، وهذه أقوالهم قديماً وحديثاً تشهد لهم .
قال الشيخ محمد رضا المظفر في كتابه عقائد الإمامية : « والبداء بهذا المعنى يستحيل على الله تعالى لأنّه من الجهل والنقص وكذلك محالٌ عليه تعالى ولا تقول به الإمامية .
قال الإمام الصادق (عليه السلام) : « من زعم أن الله تعالى بدا لَهُ في شيء بداء ندامة فهو عندنا كافر بالله العظيم » ، وقال أيضاً : « من زعم إنّ الله بدا لَهُ في شيء ولم يعلمه أمس فأبرأ منه » .
إذآً فالبداء الذي تقول به الشيعة ، لا يتعدّى حدود القرآن في قوله سبحانه وتعالى : يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (1) .
وهذا القول يقول به أهل السنة والجماعة كما يقول به الشيعة فلماذا يشنّع على الشيعة ولا يشنّع على أهل السنة والجماعة القائلين بأن الله سبحانه يُبدّل الأحكام ويُغيرّ الآجال والأرزاق .
فقد أخرج بن مردويه وإبن عساكر عن علي رضي الله عنه أنّه سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) :
عن هذه الآية يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « لأقرنّ عينيك تفسيرها ، ولأقرنّ عين أمّتي بعدي بتفسيرها ، الصدقة على وجهها وبِرّ الوالدين ، وإصطناع المعروف ، يحوّل الشقاء سعادة ويزيد في العمر ويقي مصارع السّوء » .
وأخرج إبن المنذر وإبن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن قيس بن عباد رضي الله عنه قال : لله أمرٌ في كل ليلة العاشر من أشهر الحرم ، أما العاشر من رجب ففيه يمحو الله ما يشاء ويثبت .
وأخرج عبد بن حميد وإبن جرير وإبن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ إنّه قال وهو يطوف بالبيت : « اللّهم إن كنتَ كتبت عليَّ شقاوةً أو ذنباً فأمحه ، فإنك تمحو ماتشاء وتثبت ، وعندك أم الكتاب ، فأجعله سعادة ومغفرة » (2) .
وأخرج البخاري في صحيحه (3) قصّة عجيبة وغريبة تحكي معراج النبي (صلى الله عليه وآله) ولقاءه مع ربّه ، وفيما يقول الرسول (صلى الله عليه وآله) :
____________
(1) سورة الرعد : آية 39 .
(2) جلال الدين السيوطي في الدر المنثور في التفسير المأثور 4 /661 .
(3) صحيح البخاري 4 /78 ( كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة ) .
« ثُمَ فُرضتْ عليَّ خمسون صلاة فأقبلتُ حتّى جئتُ موسى ، فقال : ماصنعتَ ؟ قُلتُ : فُرضتْ عليَّ خمسون صلاة . قال : أنا أعلم بالنّاس منك عَالجتُ بني إسرائيل أشدّ المعالجة وإن أمّتك لا تطيق ، فأرجع الى ربّك فسلْهُ ، فرجعتُ فسألتُه فجعلها أربعين ، ثم مثله ، ثم ثلاثين ثم مثله فجعل عشرين ، ثم مثله فجعل عشراً ، فأتيتُ موسى فقال : مثله فجعلها خمساً ، فأتيت موسى فقال : ماصنعتَ ؟ قلتُ جعلها خمساً فقال مثله قلتُ : فَسلمتُ فنوديَ أنّي قد أمضيتُ فريضتي وخَففّتُ عن عبادي وأجزي الحسنة عشراً » (1) .
وفي رواية أخرى نقلها البخاري أيضاً ، وبعد مراجعة محمد (صلى الله عليه وآله) ربّه عديد المرّات وبعد فرض الخمس صلوات ، طلب موسى (عليه السلام) من محمد (صلى الله عليه وآله) أن يُراجع ربّه للتخفيف لأّن أمّته لا تطيق حَتّى خمس صلوات ، ولكن محمداً (صلى الله عليه وآله) أجابه : قد إستحييت من رَبّي (2) .
نعم إقرأ وأعجب من هذه العقائد التي يقول بها رواة أهل السنّة والجماعة ، ومع ذلك فهم يشنّعون على الشيعة أتباع أئمة أهل البيت في القول بالبداء .
وهم في هذه القصّة يعتقدون بأن الله سبحانه فرض على محمّد (صلى الله عليه وآله) خمسين صلاة ، ثم بدا له بعد مراجعة محمد إيّاه أن جعلها أربعين ، ثم بدا له بعد مراجعة ثانية أن جعلها ثلاثين ، ثم بدا له بعد مراجعة ثالثة أن جعلها عشرين ثم بدا له بعد مراجعة رابعة أن جعلها عشراً ، ثم بدا له بعد مراجعة خامسة أن جعلها خمساً .
____________
(1) صحيح البخاري 4 /250 ( باب المعراج ) صحيح مسلم 1 /101 ( باب الإسراء برسول الله وفرض الصلوات ).
وبغض النظر عن قبولنا بهذه الرواية وعدمه فإن القول بالبداء عقيدة سليمة تتماشى ومفاهيم الدّين الإسلامي وروح القرآن إن الله لاَ يُغيرّ ما بقوم حتّى يُغيرّوا ما بأنفسهم ولولا إعتقادنا ـ سنة وشيعة ـ بأن الله سبحانه يبدّلُ ويُغيرّ ، لما كان لصلاتنا ودعائنا من فائدة ولا تعليل ولا تفسير ، كما إنّنا نؤمن جميعاً بأنّ الله سبحانه يبدّل الأحكام ، وينسخ الشرائع من نبي لآخر بل وحتى في شريعة نبيّنا (صلى الله عليه وآله) هناك ناسخ ومنسوخ ، فالقول بالبداء ليس كفراً ولا خروجاً على الدّين ، وليس لأهل السنة أن يشنّعوا على الشيعة من أجل هذا الإعتقاد ، كما إنّه ليس للشيعة أن يشنّعوا على أهل السنّة أيضاً .
والحقيقة إني أرى رواية المعراج هذه مستوجبة لسنبة الجهل الى الله عَزّ َوجَلّ ، وموجبة لإنتقاص شخصية أعظم إنسان عرفه التاريخ البشري ، وهو نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) ، إذ تقول الرواية بأن موسى قال لمحمّد : أنا أعلم بالنّاس منك ، وتجعل هذه الرواية الفضل والمزيّة لموسى الذي لولاه لما خفّف الله عن أمّة محمد .
ولستُ أدري كيف يعلمُ موسى بأنّ أمّة محمد لا تطيق حتى خمس صلوات في حين إن الله لا يعلمُ ذلك ويكلّف عباده بما لا يطيقون فيفرض عليهم خمسين صلاة ؟ !
وهل تتصور معي أخي القاريء خمسين صلاة في اليوم الواحد ، فلا شغل ولا عمل ولا دراسة ولا طلب رزق ولا سعي ولا مسؤولية ، فيصبح الإنسان كالملائكة مكلّف بالصلاة والعبادة ، وما عليك إلا بعملية حسابية بسيطة لتعرف كذب الرواية ، فإذا ضربت عشر دقائق ـ وهو الوقت المعقول لأداء فريضة واحدة للصلاة جماعة ـ في الخمسين فسيكون الوقت المفروض بمقدار عشر ساعات ، وما عليك إلا بالصبر ، أو إنّك ترفض هذا الدّين الذي يكلّف أتباعه فوق ما يتحمّلون ويفرض عليهم مالا يطيقون .
فإذا كان أهل السنة والجماعة يشنّعون على الشيعة قولهم بالبداء ، وإن الله سبحانه وتعالى يبدوا له فيغيّر ويبدّل كيف شاء فلماذا لا يشنّعون على أنفسهم في قولهم بأنّ الله سبحانه يبدوا له فيغيّر ويبدّل الحكم خمس مرّات في فريضة واحدة وفي ليلة واحدة وهي ليلة المعراج ـ
لعن الله التعصّب الأعمى والعناد المقيت الذي يغطي الحقائق ويقلّبها ظهراً على عقب ، فيتحامل المتعصّب على من يخالفه في الرأي وينكر عليه الأمور الواضحة ويقوم بالتشنيع عليه وبثّ الإشاعات ضدّه ، والتهويل في أبسط القضايا ، التي يقول هو بأكثر منها .
وهذا يذكّرني بما قاله سيدنا عيسى (عليه السلام) لليهود عندما قال لهم : « أنتم تنظرون إلى التّبنةِ في أعين النّاس . ولا تنظرون إلى الخشبة في أعينكم » .
وبالمثل القائل : « رمتني بدائها وإنسلّت » ولعلّ البعض يعترض بأنّه لم يرد لفظ البداء عند أهل السنّة وبأن هذه القصّة وإن كان معناها التغيير والتبديل في الحكم ولكن لا تقطع بأنه بدا لله فيها .
وأقول هذا لأنه كثيراً ما كنتُ أستعرض قصّة المعراج للإستدلال بها على القول بالبداء عند أهل السنة ، فأعترض عليّ بعضُهم بهذا الرأي ولكنّهم سلّموا بعدها عندما أوقفتهم على رواية أخرى من صحيح البخاري تذكر البداء بلفظة صراحة لا لبس فيها .
فقد روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : « إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأعمى وأقرع بدا لله أن يبتليهم ، فبعث اليهم ملكاً فأتى الأبرص ، فقال : أي شيء أحبّ اليك ؟ فقال لون حسن وجلد حسن ، قد قذرني النّاس فمسحه فذهب عنه ، فأعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً ، ثم قال له : أي المال أحبّ اليك ، فقال : الإبل ، فأعطي ناقة عشراء ، وأتى الأقرع فقال : أي شيء ، أحبّ اليك ، قال : شعر حسن ويذهبُ عني هذا قد قذرني النّاس ، فمسحه فذهب عنه وأعطي شعراً حسناً ، ثم قال له : أي المال أحبّ اليك فقال: البقر، فأعطاه بقرة حاملاً ، وأتى الأعمى فقال : أي شيء أحب اليك قال : يرد الله بصري ، فمسحه فرد الله إليه بصره ، قال : فأي المال أحب اليك ، قال : الغنم ، فأعطاه شاة ولوداً …
ثم رجعَ الملك بعدَ أن تكاثَرت عند هؤلاء الإبل والبقرَ والغنمَ حتّى أصبحَ يملك كل منهم قطيعاً فأتى الأبرصَ والأقرعَ والأعمى كلّ على صورتهِ، وطلبَ من كلِ واحدٌ منهم أن يعطيهِ مّما عندهُ فردّه الأقرع والأبرص فأرجعهما الله إلى ماكانا عليهِ ، وأعطاه الأعمى فزاده الله وأبقاه مبصراً » (1)
ولهذا أقول لأخواني قول الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم ، ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكنَّ خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الإسمُ الفسوقُ بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (2) .
كما أتمنّى من كل قلبي أن يثوب المسلمون إلى رشدهم وينبذُوا التعصّب ويتركوا العاطفة لتحلّ العقلُ محلّها في كلّ بحث ، حتى مع أعدائهم وليتعلّموا من القرآن الكريم إسلوب البحث والنّقاش والمجادلة بالتي هي أحسن ، فقد أوحى إلى رسوله (صلى الله عليه وآله) بأنْ يقول للمعاندين وإنّا أو إياكم لعلى هُدىً أو في ضلال مبينُ (3) فرسول الله (صلى الله عليه وآله) يرفع من قيمة هؤلاء المشركين ويتنازل هو ليعطيهم النصف حتّى يُدلوا ببرهانهم وأدلّتهم إن كانوا صادقين ـ فأين نحن من هذا الخلق العظيم .
____________
(1) صحيح البخاري 2 /259 .
(2) سورة الحجرات آية 11 .
(3) سورة سبأ آية 24
من كتاب لأكون مع الصادقين
الدكتور محمد التيجاني السماوي



Comments
أنتم فقط تنشغلون بالهجوم على السنة وعلى أكابر رموزها، فحينما أتبع الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، أفهم كيفية صلاة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام من خلال أصحابه الكرام ومنهم الصديق والفاروق وذي النورين رضوان الله تعالى عليهم وعلى جميع أصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام.
ثم من قال لكم أن أبا بكر الصديق كان مبغضاً لآل محمد؟؟؟؟ بل كان رضي الله عنه يقول: ارقبوا محمداً في آل بيته.
RSS feed for comments to this post